السيد الطباطبائي

410

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

بين أفعال الشهوة وأفعال الوهم ، فإنّ موادّها بالآخرة شهويّة بخلاف موجبها ومصوّرها ، فهي النفس فهي دون الوهميّات المحضة فوق الشهويّات المحضة من حيث الملاصقة بالإنسان ، وإذا تصفّحت أحوال الناس في شهواتهم وغلباتهم وآرائهم الوهميّة المحضة ، وتأمّلت في ذلك تأمّلا وافيا صادقا وقايست بعضها مع بعض ، وجدت على صدق ما ذكرناه شواهد كثيرة . فكلّ دني الطبع مستذلّ من الناس يرى لنفسه جاها ، ولوازم من الوهميّات يفدي في سبيله جميع مشتهياته وغلباته ، ولا يؤثر عليها شيئا إن كان الاختلاف بينهم في هذه المعان يذهب مذاهب كثيرة . وبالجملة : فإذا كان حال النفس في نفسها هذه ، فأوّل خطوة يخطوها الكاملون المستكملون في هذا الطريق انتزاع النفس من حبّ الدنيا ، أعني ملكات الشهوة والغضب والأوهام على الترتيب المذكور ، لما عرفت أنّه رأس كلّ خطيئة ؛ وذلك لأنّ الاستعداد قبل الإفاضة ، فإذا صفت النفس صفاء رجع إلى العلوّ وعالم المثال ، فكلّما صفت استفاضت ، فكلّما رجعت إلى عالمها رأت أنوارا وصورا بهيئة مشتهاة تشبه الصور الدنيويّة من وجه من جنات وعيون ومقام كريم وحور عين وولدان مخلّدين بأكواب وأباريق وكأس من معين ، وربّما اطّلعت في هذه الحال إلى واقعة من الوقائع المستقبلة أو السالفة أو المخفيّة لميلها إلى باطن العالم الجسماني ، واطّلاعها على الروابط واللوازم اطلاعة . وهذه المعاني تأخذ من الضعف إلى الشدّة كلّما اشتدّ انتزاع النفس وانصرافها إلى جانب الحقّ تبارك ، حتّى يصير ذلك ملكة يحصل معها الرجوع إلى هناك بأدنى التفاتة واطّلاعة ، وهناك تفاصيل كثيرة خارجة عن طوق البيان يصل إليها الواصلون من أهلها . وملاك الجميع أنّ النفس إذا مسّت شيئا من عالم النور والتجرّد حكت ذلك